الصفحة الرئيسة  |  حول الموقع  |  تسوق  |  اتصل بنا  |  جديد الموقع  |  منتدى الحوار  

حيّاكم الله أيها الشيشان الأبطال

 

هذا مقال كتبه الأستاذ عصام العطار سنة 1995، وما يزال يعبّر في جوهره عن واقع الحال في الشيشان، وعن مأساة الشعب، بل مأساة الإنسانية والقيم العليا هناك ؛ إلا أن العدوان الروسي هذه الأيام أضرى، وجرائمه ؛ وإلا أن الصمت العالمي، والصمت العربي والإسلامي أخزى وأفجع ؛ وإلا أن المقاومة الشيشانية الإسلامية، والبطولة الشيشانية الإسلامية، تتجاوز أكثر فأكثر كل تفكير وكل تقدير، وتبرهن بالمثال الحي على أن طاقة الإيمان والإنسان ليس لها حدود، وقدرة الإنسان المؤمن على التضحية والصبر والصمود ليس لها حدود..

ويا ليتنا نحن العرب والمسلمين ترتقي بإحساسنا وشعورنا بمسؤوليتنا إلى مستوى هذه البطولات والتضحيات، ونؤدي ولو شيئاً يسيراً من واجبنا الكبير لإخوتنا الشيشان الأبطال

اسمحوا لي – أيها القرّاء – أن أبدي إعجابي بالشيشان الشجعان .. هذا الشعب الصغير الفقير، شبه الأعزل من السلاح، الذي يقف شامخاً في مواجهة الغزو الروسي المدعوم بالمدافع والدبابات والطائرات وأصناف السلاح..

قال عسكريّ روسي كبير قبل الغزو :

- إننا قادرون على احتلال "غروزني" عاصمة الشيشان في ساعات ..

وها قد مضى على الغزو الروسي أكثر من شهر ولم يتمكنوا من احتلال غروزني، ولا دخول القصر الجكهوري ..

ضربوا المدينة الصامدة .. وضربوا مداخلها ومخارجها وضواحيها وأحياءها السمنيّة، وما يحيط بها من المدن والقرى .. بالطائرات والمدافع والدبابات والصواريخ، وحوّلوها إلى خراب وحطام وألسنة من اللهيب، وشرّدوا أهلها في هذا البرد القارس، وقتلوا النساء والأطفال والشيوخ بقصفهم الوحشي الأعمى .. ولكنهم لم يستطيعوا حتى الآن أن يزلزلوا ثبات هذه الحفنات المؤمنة .. الجائعة .. الظامئة .. المجْهَدة .. من المجاهدين الشيشان، ولا أن يكسروا إرادتهم ومقومتهم ويُوقِعوا في قلوبهم الوهن..

إن ثبات الشيشان المذهل، وتصميمهم القاطع على الموت دفاعاً عن دينهم وهويتهم وحريتهم واستقلالهم وكرامتهم .. هو حدث إنساني يتجاوز حدود القفقاس، بل حدود الأقوام والأوطان ، ورمز عميق الدلالات والأبعاد ..

وقد تسقط غروزني – كما يُتوقّع – بعد يوم أو أيام، ويُسحق المجاهدون الشيشان، ولكنهم يكونون بثباتهم المذهل حتى هذه الساعة، وروحهم المعنوية، وشجاعتهم الأسطورية، وتضحياتهم السخية، واستشهادهم الرائع في ميدان المعركة، قد حققوا انتصارا باقياً لأنفسهم وللقيم العليا، وضربوا لشعبهم، وللإنسانية والإنسان، مثلا ساطعاً ملهِماً يعيش مع أجيال بعد أجيال

إننا نعيش في عالم وعصر ليس مدار الأمور فيه على حق وباطل، وعدل وظلم، وخير وشرّ.. ولكن مدار الأمور فيه على قوّة وضعف، وغنى وفقر، ومصالح مادية مشروعة أو غير مشروعة..

الهيمنة في عالمنا وعصرنا للقوّةِ المادية والمالِ والمنافع والأهواء والشهوات، وأزِمّةِ الأمور في عالمنا وعصرنا بأيدي الأقوياء الأثرياء.. يصرّفونها لخدمة مصالحهم ومنافعهم.. من وراء شعارات مغرية خادعة.. لا يحققونها في واقعهم، ولا يرتبطون بها أحياناً أدتى ارتباط

وأكثر الناس في عالمنا وعصرنا، وفي بلادنا العربية والإسلامية أيضاً، قد خنعوا لهذا الواقع الضالِّ المُضِلّ المزري، ووضعوا في أعناقهم النّير طائعين أو كارهين، وأسلموا أزمَّتهم للطواغيت، ومشوا في خدمتهم مشيََ العبيد.. فعندما يقوم في هذا العالم والعصر والظروف شعب صغير فقير، يرفض العبودية والهوان، والانقياد الجبان للطغيان، ويستمسك بكلتا يديه بالحق والعدل والحرية والكرامة، ويؤثر الموت في ظلالها على حياة العبودية والذلّ.. ثم يستطيع هذا الشعب الصغير أن يَثبُت ببطولة خارقة، حيث لا يمكن في حساب البشر الثبات، وأن يصد القوى الروسية المتدفقة طويلاً، وأن يلحق بها الهزائم، وأن يستقبل الموت المرتقب له، منتصبَ القامة، شامخَ الرأس، باسمَ الثغر، لا يركع ولا يخضع إلا لله عزّ وجلّ.. عندما يحصل ذلك كله فهو حدث إنساني جليل، ومثال حيّ مؤثّر، ودرس بليغ للشعوب.. هزَّ الاتحاد الروسي المخيف، وسلطان المادة والسلاح

الشيشان الشجعان الأبطال يبادون الآن بالطائرات والمدافع والدبابات.. بغاية الوحشية .. تحت سمع العالم كله وبصره

قالت الولايات المتحدة الأمريكية :

- هذه قضية روسية داخلية، ومن حق الاتحاد الروسي أن يحافظ على وحدة أراضيه، وأن يُقيم فيها النظام، وأبدت بعضَ الملاحظات والتخوفات والأمنيات

وقالت أكثر الدول الأوروبية :

- هذه قضية روسية داخلية، لا مجال للتدخل فيها، وأبدت أيضاً بعض الملاحظات والتخوفات والأمنيات

ولكنّ الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية لم تقل هذه القضية داخلية عندما تعلق الأمر بدول البلطيق : ليتوانيا، وليتونيا، واستونيا، التي أعلنت استقلالها عن الاتحاد السوفييتي سنة 1991 م، وحذرت غورباتشوف وهددته، وحالت بينه وبين أيّ إجراء يمنع هذه الدول من ترك الاتحاد، مع أن ارتباطها بروسيا كان أطول زمناً من ارتباط الشيشان

والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية لم تكن تقول : هذه قضية داخلية، عندما كان الأمر يتعلق بالسماح لليهود الروس بالسفر إلى فلسطين، بل كانت تقيم الدنيا وتقعدها باسم حقوق الإنسان، وتمارس على الاتحاد السوفييتي كل ما يمكن أن تمارسه من ضغوط..

لماذا ؟

لماذا هذا الاختلاف أو التناقض في المواقف والمقاييس ؟

ألأنّ الشيشان – كالبوسنويين – مسلمون، وليتوانيا وليتونيا واستونيا نصارى ؟ .. لا أريد أن أصدّق هذا الأمر، لا أريد أن أصدّقه رغم كل الدلائل

وحق التدخل الإنساني في الشؤوؤن الداخلية للدول ذات السيادة، الذي أقرّته الأمم المتحدة، وصدر به قرار مجلس الأمن رقم 688، سنة 1990م، وطبقته الأمم المتحدة رسمياً في العراق، واستخدمته الولايات المتحدة ودول أخرى بأشكال مختلفة مرات ؟

يقول الأمين العام للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي، مكرراً ما تقوله الدول الغربية :

لا، لا، إن هذه قضية روسية داخلية ! ولا يمكن التدخل ! !

قضية روسية داخلية ؟! .. ما أكذب هذا الكلام ! وما أبعده عن الحقيقة بمقياس الواقع والتاريخ، ومقياس الدستور والقانون !

فالشيشان ليسوا روساً، ولم يكونوا قطُّ روساً ولم يقاوم شعب من الشعوب الاحتلال الأجنبي كما قاوم الشيشان الاحتلال الروسي، ولم يلق شعب من الشعوب ما لقيه الشيشان على أيدي الروس القياصرة والبلاشفة من الظلم والاضطهاد، والتصفيات الجماعية، والتطهير الديني والعرقي، وما لا يكاد يصدّقه الإنسان من ضروب البلاء الذي لا يقاربه بلاء

الشيشان جمهورية مستقلة من سنة 1991م.. مستقلة بنفس السنة ونفس المقياس الذي استقلت به دول البلطيق وجمهوريات سوفييتية أخرى.. فلماذا يقبل استقلال هؤلاء ولا يقبل استقلال الشيشان ؟ ولماذا تفتح الامم المتحدة أبوابها لهؤلاء وعغلقه في وجه الشيشان ؟

لَوِ احتكَمْنا من الدنيا إلى حَكَمِ

وكان حالهما في الحُكم واحدة

وبعد، فحيّاكم الله أيها الشيشان الأبطال

 

عودة إلى بقيّة المقالات

 

 كلمــــات

المجموعة الأولى
المجموعة الثانية
المجموعة الثالثة

المزيد من الكلمات

 كــتــب

 من بقايا الأيام 1

 التلميذ الناشئ والشيخ الحكيم

  أزمة روحية

 المزيد من الكتب 

  مقــالات

 مع الله

 الارتفاع إلى مستوى العالم والعصر

 الأمل والتفاؤل

 يا شباب الإسلام

 أنا وعلي الطنطاوي

دعوة إلى العاملين للإسلام

 المزيد من المقالات

  أشرطـــة

 التقوى

 جددوا الإيمان في قلوبكم

 حديث عن معنى التميز

 مسؤولية المسلم عن أسرته

  المزيد من الأشرطة

بيانات ووثائق
مختارات إسلامية
روابط على الإنترنت

أكتب في سجل الزائرين

تصفح سجل الزائرين