الصفحة الرئيسة  |  حول الموقع  |  تسوق  |  اتصل بنا  |  جديد الموقع  |  منتدى الحوار  

جيش الإنقاذ : من ذكريات زهير الشاويش

بقلم : نوال السباعي

    كتب الأستاذ زهير الشاويش في مقال نشرته مجلة فلسطين المسلمة عام 1994 
يقول

"منذ أكثر من أربعين سنة وأنا رافض الاستجابة لكل من طلب مني الكتابة عن ذكرياتي في الجهاد". غير أن بعض الحوادث جعلتني أستجيب للحديث عن ذلك وأنا مكره، منها: الحال الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية وكثرة الأخطاء والتضليل، في أغلب ما نشر وأذيع من تلك الحقبة، وحماية لحق إخواني الذين أفضى أكثرهم إلى رحمة الله، وما أصابهم من إهمال أو تشويه وتحريف مواقفهم، والظلم المتعمد لهم".

ولقد خصصت هذه الحلقة من ملاحظاتي حول مسلسل "حمام القيشاني" لتوضيح المواقف والملابسات التي تشكلت فيها الكتائب السورية التي جاهدت تحت قيادة "جيش الإنقاذ"، ومن شارك فيه ومن لم يشارك مما يصحح الكثير من اللبس والخطأ الذي وقع فيه عرض الحقائق في المسلسل موضوع البحث، خاصة وأننا الآن نعيش في ظل مرور خمسين عامًا على اغتصاب فلسطين، وما صاحب ذلك من أحداث جسام هائلة خطيرة كان لها ما بعدها في حياة هذه الأمة والواقع الذي تعيشه الآن.

وقد أغفل هذا المسلسل الناجح فنيًا أسماء رجال ما كان ينبغي أن تُغفل أسماء أمثالهم أثناء الحديث عن تاريخ سورية في تلك الحقبة التي تلت الحرب العالمية الأولى، وإلغاء الخلافة، وتقسيم البلاد المسلمة بين المستعمرين، وتقطيع سورية الطبيعية إلى ما يقارب العشر مقاطعات، وما تبع ذلك من إدخال مناهج التعليم الأجنبي، ونهب الثروات، وإفقار البلاد تحت ظل الانتداب، وتسليط الدخلاء والأقليات على المراكز الرئيسية في إدارة شئون البلاد، كما ذكر "زهير الشاويش" في فلسطين المسلمة.

وهكذا بدأ الإعداد من القيادات الإسلامية فقام الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي بالتحرك وإلقاء الخطب، وعقد ما كان يسمى بالمؤتمرات في مركز جمعية الشبان المسلمين بدمشق المنضوية تحت اسم شباب محمد، كما كان الأستاذ الجليل الشيخ علي الطنطاوي يلقى الخطب ويُحرض الناس.

ويضيف شاهد عصر الأستاذ الشاويش في مكان آخر من سلسلة مقالاته في "فلسطين المسلمة قائلا: "كان العمل لقضية فلسطين تابعا لما تخططه جمعية "شباب محمد" لأفرادها وكان من ذلك ذهابي إلى فلسطين أكثر من ثلاثين مرة في سنة 1946، ومن يراجع سيرة الأستاذ الدكتور "مصطفى السباعي" يجد عظيم العمل والسفر والخطب في هذا السبيل، وقل مثل ذلك وقريبًا منه عن الدعاة الذين عاصرتهم مثل: الأستاذ محمد خير الجلاد، والشيخ نافع الشامي -في أدلب- والشيخ محمد الحامد، -في حماة- والأستاذ عصام العطار، والأستاذ كاظم نصري والدكتور محمد خير العرقسوس والدكتور أديب الصالح والأستاذ عبد الرحمن الباني وغيرهم".

وكانت الدعوة في الشام إلى تشكيل كتائب للجهاد في سبيل الله في فلسطين قد انطلقت من حي الميدان، الشهير في دمشق وكان "لِشُعْبَته الدور الواضح والأثر الكبير في التهيئة والتدريب، والاجتماعات الضخمة التي أقيمت لنصرة فلسطين"، ومن ذلك أول اجتماع عام عقد في دار "المهاييني" وحضرة الشيخ محمد الأشمر، كما كان للأستاذ محمد خير الجلاد باع طويل، وهو الذي أعلن افتتاح باب التطوع للجهاد ما بين 1946، 1947 وكذلك الأستاذ عبد القادر السبسبي وعمر الأميري في حلب، والشيخ نافع الشامي، في أدلب والشاعر محمد المجذوب في اللاذقية.

ويقول الأستاذ الشاويش عن هذه الأيام في مقال آخر له تحت عنوان "ذكريات شخصية عن القضية الفلسطينية": لقد قرر الإسلاميون تجديد مطالبهم من الحكام، ومن المرشحين للنيابة عام 1947، وقد ألقى الأستاذ محمد خير العرقسوس، في حفل انتخابي كبير أقيم في المركز الصحي، الذي أسسه حزب الأستاذ فيصل العسلي، في منطقة باب المصلى، في دمشق، وأيدنا في مطالبنا كلها الأستاذ العلامة الشيخ بهجة البيطار، والشيخ عبد الرزاق الحمصي، وهي:

يجب على الحكومة أن تعلن أن فلسطين جزء من سورية عليها استعادته.

-

1

على كل مرشح للانتخابات أن يعلن أنه يعمل لقضية فلسطين وكأنها قضيته الخاصة، ويعمل لها ولو تخلى عنها كل الناس.

-

2

أن يستعد كل منا للجهاد من ماله الخاص، وأن الإعداد الفردي مقدم على الإعداد الجماعي.

-

3

دعوة الحكومة وجميع الأحزاب والهيئات إلى نبذ الأحقاد، وأن تتحد كلها في جماعة واحدة تعمل لقضية فلسطين.

-

4

وقد تجاوب معنا حزب "فيصل العسلي" و"حزب البعث" والجمعية الغراء "عصبة العمل القومي"، وأحالنا الحزب الوطني على نسيب بك البكري، والأستاذ "عفيف الصلح"!! -وإشارة التعجب هنا من إثبات الشاويش في أصل مقاله-، ورفض الحزب الشيوعي الفكرة من أساسها، وأما الحزب السوري القومي الاجتماعي، فقال مندوبهم: إن لدى الحزب طريقته الخاصة في القضية الفلسطينية.

ويحق لنا أن نسأل بعد الذي جمعناه عن شهادات، وأثبتناه من أقوال، وهي قليلة ولكنها على قلتها نادرة وقيمة يحق عيان خبروها بأنفسهم، كيف يمكن أن تنقلب هذه الحقائق التي يذكرها شهود عيان خبروها بأنفسهم، كما حدث أثناء سرد حوادث مسلسل "حمام القيشاني" الذي جعل من الشيوعيين قوة شعبية تجاهد بالمال والنفس في سبيل فلسطين، وكذلك الحزب "القومي الاجتماعي" الذي كان من الأحزاب التي عنى بها المسلسل، ولكن درجة العناية بها لم تصل إلى تلك التي وجهت إلى الحزب الشيوعي ممثلين وفكرة وسردًا.

وتستمر رواية التاريخ التي ننقلها عن مقالات الأستاذ الشاويش: "وزرنا أي الإسلاميين-من كان حيا من قادة الجهاد في فرنسا، وفي فلسطين ومنهم الشيخ كامل القصاب، والشيخ محمد الأشمر، أبو عبده سكر، عائلة أبو عمر آل ديبو في حرستا، أبو عمر خيتي في دوما، أبو محيي الدين شعبان في برزة، والشيخ موسى القدومي في القدم، والشيخ محمد حجاز الكيلاني، وأبو عبده غبور في عقربا، أبو الخير نجيب في الميدان، والعالم الشيخ سعيد العرفي، والنائب سرور شيخ عربان الجبل، والأمير زيد الأطرش، والقائد فوزي القاوقجي وسلطان باشا الأطرش، والشيخ محمود أبو يحيى الذي استشهد بعد ذلك في فلسطين، ونزيه بك العظم، ورمضان باشا شلاش، وأبو إبراهيم عربي الخيمي، وغيرهم كثيرون" ،"وقد استفدنا من تجاربهم وذكرياتهم الكثير، وليت يومها كان عندنا مسجلات، لكنا حفظنا وثائق عن تاريخ بلادنا ما كان لها أن تضيع"!!

وكان مما ذكره الأستاذ الشاويش ومما ينبغي إثباته في هذا الموقع للتاريخ: "إن الإقبال على الجهاد في مدينة كمدينة حمص كان على أشده، حتى أن الذين ما كانوا يحضرون المساجد توافدوا عليها من سكان المدينة والقرى المجاورة، ومن القيادات المسيحية الذين زرناهم كذلك في أماكنهم وكنائسهم كما زرنا في حمص جماعة من وجهاء الطائفة العلوية، وأيدوا الاستعداد للجهاد، ومنهم قريب للمجاهد الشيخ صالح العلي، وكان كبير السن محاطًا بأشخاص ليسوا على مستوى الجهاد أو فهم القضية، وشيخ من آل علي أديب ونائب من مشايخ آل يونس، وكذلك العشائر الدندشية، وزعماء عشائر البدو والقرى الشركسية أما في المدن الأخرى فحديث الجهاد حديث آخر يطول".

ولعل هذه الحقائق تعتبر دليلاً كافيًا على المغالطة التاريخية التي وقع فيها المسلسل خاصة في تحديد هويات الذي جاهدوا تحت ألوية "جيش الإنقاذ" من رجال سورية، موضوع المسلسل، ولعلنا الآن بالذات في أمس الحاجة إلى وقفة عبرة وتذكرة وصدق، وقفة يعرف فيها تاريخنا الذي لم يقتصر تشويهه على أعدائنا، بل امتدت القدرة على التشويه إلى أبناء أمتنا، جهلا أو قصدًا، وكلاهما جريمة لا تغتفر، خاصة عندما يكون مستقبل الأمة ومصيرها وقفا على أحداث ذلك التاريخ ووقائعه.

ويحكي الشاويش عن ذكريات جيش الإنقاذ ما يؤلم ويدمي إذ يقول في مذكراته المخطوطة: وكنا تابعين لجيش الإنقاذ بصورة رسمية وكان لتفاهم كل الحكومات العربية الأثر في عدم بقاء أحد من المجاهدين في فلسطين وهي بأشد حاجة إلى كل مقاتل، وكل بندقية وكان رأي الأستاذ السباعي عدم تنفيذ هذا الطلب، والبقاء في القدس ولكن كانت كل الظروف على خلاف رأيه وعكس ما يريد وغادرت كتيبتنا القدس بعد أن تركت ما عندها من سلاح وذخيرة وقبيل الوصول إلى دمشق أخذ منهم ما تبقى من السلاح والعتاد الفردي، وطلب إليهم الذهاب إلى بيوتهم، وسوف تجري دعوتهم للقتال في جبهة الجيش السوري في شمال فلسطين، وعلى الحدود السورية اللبنانية، وهذه الدعوة لم تصل إلى واحد منهم حتى الآن!"!!.

ثم تم التفاهم والتنسيق بين قائدنا الأستاذ السباعي -كما يقول الشاويش- وبين قائد الجيش العربي الأردني في القدس عبد الله التل وإخوانه من الضباط العرب فسمح لمجموعة منا في البقاء على أننا من الجهاد المقدس، وعناصر فرقة التدمير، وأعطينا هويات نتجول بها مع تغيير الأسماء أحيانا، وبقي معنا العدد الكبير من الأخوة أهل فلسطين الذي التحقوا بنا". ولم يرد ذكر شيء من ذلك كله في حمام القيشاني الذي أنهى قضية فلسطين بمجرد عودة المجاهدين بعد الأوامر التي صدرت من القيادات ولقد صور المسلسل هذه الحقيقة بشكل استثنائي، ولكنه لم يلقَ العناية اللائقة بمستواه، فجعل عودة آخر المقاتلين في جوف الليل المظلم، والسيارة قافلة مدبرة مولية تختفي شيئا فشيئا وراء منعطف على الطريق.

ولقد خصصت هذه الحلقة فقط لإثبات بعض الحقائق التي تجاوزها أو أغفلها بقصد أو بدون قصد مسلسل حمام القيشاني الذي نجح في إثارة الشجون إلى درجة البحث عن الحقيقة ونبش هذه الذكريات من القبور الجماعية التي دفنت فيها وكدت القضية تسجل ضد مجهول، لولا أن قام هذا المسلسل بالتذكير بتلك الحقبة وهاتيك الأيام، والتي اقتصرت في هذه الحلقة على إثبات شهادات بعض الذين عاشوها وصنفوا فيها تاريخا كتبوه بدمائهم، أو بآلامهم أو بكليهما.

ولقد وقفت طويلا لدى نص جاء تحت عنوان "الإخوان المسلمون في معارك فلسطين"، بقلم المرحوم الدكتور مصطفى السباعي الذي كان يشغل منصب رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق يوم نشر هذا النص في مجلة حضارة الإسلام الدمشقية، وقد جاء فيه: "لما كانت كارثة التقسيم عام 1948، وهب الشعب في جميع البلاد العربية يطالب بالتطوع في القتال لمنع التقسيم، اتخذت الجامعة العربية قرارًا بتأليف جيش الإنقاذ، وافتتحت الحكومة مراكز للتطوع ويضيف السباعي رحمه الله في مكان آخر من مذكراته قائلا: "كنا نشعر ونحن في قلب معارك القدس أن هناك ما يجري على الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية العليا، لجعل التقسيم أمرًا مفروغًا منه، ولجعل القدس تخرج من أيدي العرب والمسلمين، ووجدت من واجبي أن أكشف الحقائق التي تبيّنْتُها بنفس هذه المعارك لما وجدته من انخداع الجمهور فيما يذاع ويكتب".. ومن هذه الحقائق: 

إن جيش الإنقاذ الذي شكلت الجامعة المصرية ووكلت قيادته إلى فوزي القاوقجي لم يكن إلا تسكينا لشعور العرب الهائج في كل بلد، وأنه لم يكن يقصد منه جديًا أن يقاتل ويمنع سقوط المدن والقرى بأيدي اليهود.

-

1

إن قياد جيش الإنقاذ لم تخض معركة جدية واحدة في فلسطين، فالقاوقجي كان مقيما قرب نابلس، وكذلك بقية القيادات.

-

2

إن جيش الإنقاذ كانت مهمتة تحطيم منظمة الجهاد المقدس التي انخرط فيها شباب فلسطين، وأبدوا من البطولات ما سجله له التاريخ بإعجاب وإكبار، وكان قائدها الشهيد البطل "عبد القادر الحسيني" يحاول الحصول من الجامعة على قدر كافٍ من الأسلحة فخاب مسعاه، حتى أنه حين جاء إلى معسكر قطنا ليأخذ معه الفوج الأول من إخواننا قال: إنني طلبت منهم مدفعا واحدا فرفضوا وأعطوني مائة بندقية لا تصلح إلا لوقود النار، وهذه هي معي في السيارة، ونظرنا فإذا ببنادق من العهد الفيصلي من أعقاب الحرب العالمية الأولى، ثم تابع قوله: إنني ذاهب إلى فلسطين لاسترداد القسطل، وسأموت ولن أترك بلدي فلسطين طُعمة للأعداء.

-

3

لقد تعرض مسلسل "حمام القيشاني" إلى هذه الحقائق الدامية، ولكنه خلط بين ما وقع وبين ما كان يتمنى أن يقع، وغمط الناس حقوقهم، ولقد جرى نقاش في إحدى الحلقات بين متشدد من الإسلاميين، وإسلامي معتدل، نعا فيها المسلسل على "إسلامي" أن يتدخل في السياسة أو أن يكون له رأي أو شأن في كل ما يجري في بلاده وتحت سمعه وبصره، ولكأن السياسة شأن تقتصر على من قدموا أنفسهم على أبناء الشعب، ونصبوا ذواتهم أوصياء على التاريخ والحقيقة، بل على الدماء والمعاناة والآلام التي حملناها جيلا فجيلا حتى دون أن نعي حقيقة مصدرها ولا طبيعة حدوثها.

وعلى الرغم من ذلك فيكفينا من هذا المسلسل أمران، أولهما أن أثار هذه الذكريات في ضمير واقعنا الذي نعيشه، وثانيهما انه دفع البعض منا إلى البحث، مما أدى بأهل الغيرة أن يمدونا بالوثائق لإصلاح ما ظنناه وإياهم خطأ، ولعله يكون في ذلك دافع أكبر، لمزيد من البحث الجاد، في المخطوطات والوثائق التي تركها الإسلاميون وغير الإسلاميين من رجال سورية الذي صنعوا التاريخ، فجاء من بعدهم من ترك التاريخ يمر دون أن يكون له فيه ناقة أو جمل، راجين أن يثير هذا الأمر الذي تناولناه في عجالة مطولة بعض الشيء همم الشباب لدراسة فروع العلوم الإنسانية، وعلى رأسها علم التاريخ الاجتماعي وسيكولوجية التاريخ، والأمم، وعلم دراسة النفس الإنسانية، وعلم دراسة المجتمعات البشرية، لعلنا نستطيع أن نسد النقص الهائل، والثغرة العظيمة في كتابة تاريخنا القديم منه والحديث، على علم وبصيرة وأسس متينة من التوثيق وإثبات الحقائق لأن ذلك أمانة في أعناقنا..وواجب سنسأل عنه وستسألنا عنه الأجيال القادمة

 

 كلمــــات

المجموعة الأولى
المجموعة الثانية
المجموعة الثالثة

المزيد من الكلمات

 كــتــب

 من بقايا الأيام 1

 التلميذ الناشئ والشيخ الحكيم

  أزمة روحية

 المزيد من الكتب 

  مقــالات

 مع الله

 الارتفاع إلى مستوى العالم والعصر

 الأمل والتفاؤل

 يا شباب الإسلام

أنا وعلي الطنطاوي
دعوة إلى العاملين للإسلام

 المزيد من المقالات

  أشرطـــة

 التقوى

 جددوا الإيمان في قلوبكم

 حديث عن معنى التميز

 مسؤولية المسلم عن أسرته

  المزيد من الأشرطة

بيانات ووثائق
مختارات إسلامية
روابط على الإنترنت

أكتب في سجل الزائرين

تصفح سجل الزائرين